الشيخ محمد رشيد رضا

7

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لتقرير حجة الأشاعرة على جواز مشيئة اللّه لكفرهم بالفعل ، ولا حجة المعتزلة على وجوب رعاية الصلاح والأصلح لهم ولغيرهم بالعقل ، ولكنه يدل بطريق الالتزام على ما ذكرنا من عناية الرب سبحانه وتعالى برسله وأتباعهم المستقيمين على دينهم ، ومضي سنته ووعده بتأييدهم ، المصرح به في آيات أخرى كقوله تعالى ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ) وقوله ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ) فهو لن يشاء كفرهم بالفعل ، بل يختار لهم الأصلح بحكمته وفضله لا بايجاب العقل . وقد روى ابن جرير وغيره عن السدي أنه قال في الآية : وما كان ينبغي لنا ان نعود في شرككم بعد إذ نجانا اللّه الا أن يشاء اللّه ربنا واللّه لا يشاء الشرك ولكن يقول الا أن يكون اللّه قد علم شيئا فإنه وسع كل شيء علما اه ولعله يريد أنه لا يشاء ذلك لأنه مخالف لسننه الحكيمة وفضله العظيم على رسله ومن آمن بهم وان كان لا يقع من أهل الشقاء بسوء اختيارهم الا بإرادته ومقتضى سنته ، وسننه في الفريقين مختلفة كما شرحناه مرارا وقد سبق مثل هذا الاستثناء في سورة الأنعام ، حكاية عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسّلام ، إذ قال لقومه ( 6 : 81 وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ) وقد اخترنا هنالك أنه استثناء من عموم الأوقات وأنه منقطع معناه : لكن ان شاء ربي ان يصيبني في وقت من الأوقات مكروه من قبل ما تشركون به كوقوع صنم على يشجنى ، فإنه يقع بقدرته تنفيذا لمشيئته ، لا بقدرة شركائكم ولا بمشيئتهم لأنهم لا قدرة لهم ولا مشيئة ، ثم علل ذلك بمثل ما علله به بعده شعيب عليهما الصلاة والسّلام وعلى نبينا وآله فقال : ( وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) أي ومعبوداتكم لا تعلم شيئا ، الخ واخترنا هنا جعل الاستثناء من أعم الأحوال لا الأوقات وان جاز الجمع بينهما ، لان الوقت لا شأن له هنا ، على أن عموم الأحوال يستلزم عموم الأوقات ثم أكد عليه السّلام ذلك كأنه بقوله عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا أي اليه وحده وكلنا أمرنا ، مع قيامنا بكل ما أوجبه علينا من المحافظة على الدين الذي شرعه لنا ، فهو يكفينا أمر تهديدكم ، وكل ما لم يجعله في استطاعتنا من جهادكم . وذلك أن من أصول المعرفة باللّه عز وجل التي يعرفها جميع رسله أن من توكل عليه